بثينة وأخواتها
معذرة أني اقتبست اسم بطلة رواية "عمارة يعقوبيان" لد.علاء الأسواني لأجعلها المدخل الذي استطيع الدخول به لأفكاري التي أريد أن أبوح بها إليكم ، فأنا وبنات جيلي كلنا مثل بثينة السيد ولكن مع بعض الاختلافات الطفيفة، ويمكن أن نصف أنفسنا أيضاً "بأبناء العجز والقهر والكبت وقلة الحيلة" كلنا من مواليد أواخر السبعينات وجيل الثمانينيات ، كلنا نعاني سواء بنات أو شباب من نفس الإحباطات ، نتعرض كل يوم لمختلف أنواع العذاب النفسي والبدني ، هذا العذاب الذي أتعرض له يومياً يذكرني فعلاً بشعار المجموعة على الفيس بوك التي أطلقت على نفسها اسم "كلنا خالد سعيد" رحمه الله ، رغم ما لاقاه من قسوة قبل موته إلا أنه أكثرنا حظاً ليس بسبب أنه اشتهر وأنشئت مجموعات على الفيس بوك باسمه .. ولكن لأنه ارتاح وقابل ربه وهو مظلوم والله لا تضيع عنده الحقوق وهو أرحم من كل البشر .أما نحن فمازلنا نُسحق ونقهر كل يوم ..
فالقهر والتعذيب النفسي تأثيرهما على النفس ليس بأقل من التعذيب الجسماني ، فالحياة في بلدنا الغالي أصبحت ميسرة فقط لمن لهم ظهر وواسطة قوية هؤلاء لا يُنظر إلى كفاءاتهم ولاعلمهم ولا اخلاقهم لإثبات ذاتهم على حساب غيرهم ممن يفوقونهم ، أما نحن ممن ليس لهم ظهر فنسحق ولا تراعى كرامتنا ، وكيف تراعى بينما نحن مكسوررون ومحبطون إن لم يكن بسبب البطالة فبسبب انعدام الإحساس بالأمان النفسي والمادي ، فحتى المحظوظ منا ولديه وظيفة فهو إما مطحون ويدور في ساقية لا يجد دقيقة في اليوم يلتقط فيها انفاسه ، وإما مهمش ولا يشعر بأهميته وقيمته كإنسان ويتعرض للاضطهاد من قبل الأكبر منه سناً ـ رغم أن هؤلاء يحصلون على حقوقهم كاملة دون أي انتقاص منه وذلك لأنهم معينين في الحكومة منذ عشرين سنة وأكثر ـ دون سبب مقنع سوى الغيرة والحقد والأمراض النفسية وحب الاسئثار بالسلطة .
ما المنتظر منا بعد بعد كل هذا؟ ليس من الطبيعي أن تجد إنساناً يقع تحت كل هذه الضغوط ويحتفظ بتصالحه مع نفسه ، والمدهش أن بعض الآباء والأمهات يؤيدون فكرة السبية والاستسلام للأمر الواقع وعدم السباحة ضد التيار ! ويرددون مقولات مثل :" ماذا تظن نفسك؟ عش وارض فأنت مثلك مثل غيرك ، هل انت من سيصلح الكون .. التفت لخيبتك الأول وصلح نفسك عندها يصبح هناك أمل " ومنهم من يصر على اعتبار الفشل وعدم تحقيق الذات مجرد مشكلة فريدة ، ويتناسون أنها قضية جيل بكامله كتب عليه أن يكون سيء الحظ ، هم يرون أنفسهم نحتوا في الضخر ليحققوا أحلامهم وينسون أن أبنائهم كبروا وتخرجوا من الجامعات ثم لم يجدوا ضخراً لينحتوا فيه ! ياه ما كل هذه القسوة التي نلقاها من أقرب الناس إلينا وما أشد وقعها على نفوسنا .. هل نسوا أننا بشر من لحم ودم ولسنا ملائكة ؟ثم لماذا لا يبدأ كل منهم بنفسه ويكون قدوة صالحة تستحق أن نقلدها ؟
عند هذه النقطة أوضح لماذا أنا وبنات جيلي لا نختلف عن بثينة السيد ، ربما هناك فقط نقطتي اختلاف وهما المؤهل الدراسي والحالة الاجتماعية ، فأنا ومثيلاتي نحمل شهادات عالية من جامعات محترمة ومنا من حصلت على الماجستير أو الدكتوراه بل وتدرس للطلبة في الجامعات ، وبالنسبة للحالة الاجتماعية بثينة يتيمة ليس لها أب وتعول أسرتها ، أنا نحن فلدينا آباء والحمد لله ولكنهم تخلوا عن دورهم تجاهنا وتركونا نصارع الحياة وحدنا ، ومن آبائنا من لا يتذكر أنه أب إلا عند وقوع كارثة لابنته أو عندما تقع في الخطأ وبالذات الأخلاقي ، وقتها يكون وجوده لا معنى له ، من حسن ظني ومن أعرفهن أننا لم نقع في الخطأ الأخلاقي رغم كل ما نتعرض له من مغريات ، ورغم ذلك لا نُرحم من سلاطة اللسان وتكييل الاتهامات لنا بأننا سبب عنوستنا وسبب نظرة المجتمع السلبية إلينا ؟ وكأن ليس من حقنا أن نحيا حياتنا بشكل طبيعي ، أو أن نجد يد حانية تربت علينا وتحمينا مما التشويهات النفسية التي تلاحقنا.. لكن يبدو أن هذا هو قدرنا!
أما وجه الشبه بيننا وبين بثينة فهو اختيارنا لزكي باشا ، ماذا تفعل الواحدة منا إذا وضعت أمام اختيارين أحلاهما مر ؟
بثينة لم تجد بديلاً ونحن كذلك .. حيث أن زكي وأشباهه يمثل لنا اليد الوحيدة التي تمتد إلينا في الوقت المناسب ليس فقط لتنتشلنا من الفقر ، إنا هي أيضاً تنتشلنا من كل الأيادي اليت تتسابق نحونا لتنهش لحمنا وتنتهك إنسانيتنا ، وعندما يسقط المثل الأعلى وهو الأب وينهار ويتفتت مثل حجارة الأصنام يصبح لا مفر من التعلق بهذه اليد ، عندما تجد الواحدة منا نفسها تعيش وسط ذئاب يحاول كل منهم أن يحصل على ما يتيسر له منها تحت غطاء مغلف بالشرعية الزائفة مثل عرض وهمي بالزواج يغيب معه الضمير والوازع الديني الذي فقط يتمسح به هؤلاء لخداع الفريسة ، ماذا نفعل وبالله عليكم ما البديل !! إني ومثيلاتي لا نقدم على هذا من أجل المال وحده بل لأننا ضعاف نبحث عن الحماية والأمان .. خاصةً إذا كان كل ما نقابلهم في حياتنا من شباب يرفضوننا ليفضلوا علينا من هي كفء لهم ، معظمهم يبحثون عن الفتيات الثريات أو من لديهن وظيفة مرموقة وراتب كبير أو من لديها شقة أو سيارة ، وهو مستعد في هذه الحالة أن يغض بصره عن عيوب كثيرة ، أما نحن فلا ننجو أبداً من تعليقاتهم السخيفة مثل هذه سمينة ، هذه قصيرة ، دمها ثقيل ، هذه تمثل وتتتصنع الخجل والحياء (أراهن أنها عملت علاقات مع عشر شباب قبلي )وهذه تبدو أكبر مني سناً وكأنها والدتي ، وهم يلجأون لهذه الحجج ليهربوا من إحساسهم بالفشل وعدم التكافؤ ـ أياً كان نوعه ـ والنقص .
ماذا نفعل إذن ؟ فإذا كان قدرنا الشعور بالرفض ممن يقاربوننا في العمر وفي المقابل نجد قبولاً ممن يكبروننا بعشرين عاماً واكثر ، إنا فقط نريد من يعاملنا كبشر ويحترم إنسانيتنا ، نريد من يلملم أشلاءنا قبل أن يطأها بقدمه كل من هب ودب من انصار القبح والكذب والحيوانية والهمجية ، لقد تعبت قلوبنا ، ومن رحمته تعالى أن منحنا اسباب صغيرة نستطيع بها مواصلة الحياة بكل صعابها ، متمسكين بمبادئنا رغم كل شيء
عبير سليمان 4/11/2010 الإسماعيلية
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق