الخميس، 4 نوفمبر 2010

بثينة وأخواتها

معذرة أني اقتبست اسم بطلة رواية "عمارة يعقوبيان" لد.علاء الأسواني لأجعلها المدخل الذي استطيع الدخول به لأفكاري التي أريد أن أبوح بها إليكم ، فأنا وبنات جيلي كلنا مثل بثينة السيد ولكن مع بعض الاختلافات الطفيفة، ويمكن أن نصف أنفسنا أيضاً "بأبناء العجز والقهر والكبت وقلة الحيلة" كلنا من مواليد أواخر السبعينات وجيل الثمانينيات ، كلنا نعاني سواء بنات أو شباب من نفس الإحباطات ، نتعرض كل يوم لمختلف أنواع العذاب النفسي والبدني ، هذا العذاب الذي أتعرض له يومياً يذكرني فعلاً بشعار المجموعة على الفيس بوك التي أطلقت على نفسها اسم "كلنا خالد سعيد" رحمه الله ، رغم ما لاقاه من قسوة قبل موته إلا أنه أكثرنا حظاً ليس بسبب أنه اشتهر وأنشئت مجموعات على الفيس بوك باسمه .. ولكن لأنه ارتاح وقابل ربه وهو مظلوم والله لا تضيع عنده الحقوق وهو أرحم من كل البشر .أما نحن فمازلنا نُسحق ونقهر كل يوم ..
فالقهر والتعذيب النفسي تأثيرهما على النفس ليس بأقل من التعذيب الجسماني ، فالحياة في بلدنا الغالي أصبحت ميسرة فقط لمن لهم ظهر وواسطة قوية هؤلاء لا يُنظر إلى كفاءاتهم ولاعلمهم ولا اخلاقهم لإثبات ذاتهم على حساب غيرهم ممن يفوقونهم ، أما نحن ممن ليس لهم ظهر فنسحق ولا تراعى كرامتنا ، وكيف تراعى بينما نحن مكسوررون ومحبطون إن لم يكن بسبب البطالة فبسبب انعدام الإحساس بالأمان النفسي والمادي ، فحتى المحظوظ منا ولديه وظيفة فهو إما مطحون ويدور في ساقية لا يجد دقيقة في اليوم يلتقط فيها انفاسه ، وإما مهمش ولا يشعر بأهميته وقيمته كإنسان ويتعرض للاضطهاد من قبل الأكبر منه سناً ـ رغم أن هؤلاء يحصلون على حقوقهم كاملة دون أي انتقاص منه وذلك لأنهم معينين في الحكومة منذ عشرين سنة وأكثر ـ دون سبب مقنع سوى الغيرة والحقد والأمراض النفسية وحب الاسئثار بالسلطة .
ما المنتظر منا بعد بعد كل هذا؟ ليس من الطبيعي أن تجد إنساناً يقع تحت كل هذه الضغوط ويحتفظ بتصالحه مع نفسه ، والمدهش أن بعض الآباء والأمهات يؤيدون فكرة السبية والاستسلام للأمر الواقع وعدم السباحة ضد التيار ! ويرددون مقولات مثل :" ماذا تظن نفسك؟ عش وارض فأنت مثلك مثل غيرك ، هل انت من سيصلح الكون .. التفت لخيبتك الأول وصلح نفسك عندها يصبح هناك أمل " ومنهم من يصر على اعتبار الفشل وعدم تحقيق الذات مجرد مشكلة فريدة ، ويتناسون أنها قضية جيل بكامله كتب عليه أن يكون سيء الحظ ، هم يرون أنفسهم نحتوا في الضخر ليحققوا أحلامهم وينسون أن أبنائهم كبروا وتخرجوا من الجامعات ثم لم يجدوا ضخراً لينحتوا فيه ! ياه ما كل هذه القسوة التي نلقاها من أقرب الناس إلينا وما أشد وقعها على نفوسنا .. هل نسوا أننا بشر من لحم ودم ولسنا ملائكة ؟ثم لماذا لا يبدأ كل منهم بنفسه ويكون قدوة صالحة تستحق أن نقلدها ؟
عند هذه النقطة أوضح لماذا أنا وبنات جيلي لا نختلف عن بثينة السيد ، ربما هناك فقط نقطتي اختلاف وهما المؤهل الدراسي والحالة الاجتماعية ، فأنا ومثيلاتي نحمل شهادات عالية من جامعات محترمة ومنا من حصلت على الماجستير أو الدكتوراه بل وتدرس للطلبة في الجامعات ، وبالنسبة للحالة الاجتماعية بثينة يتيمة ليس لها أب وتعول أسرتها ، أنا نحن فلدينا آباء والحمد لله ولكنهم تخلوا عن دورهم تجاهنا وتركونا نصارع الحياة وحدنا ، ومن آبائنا من لا يتذكر أنه أب إلا عند وقوع كارثة لابنته أو عندما تقع في الخطأ وبالذات الأخلاقي ، وقتها يكون وجوده لا معنى له ، من حسن ظني ومن أعرفهن أننا لم نقع في الخطأ الأخلاقي رغم كل ما نتعرض له من مغريات ، ورغم ذلك لا نُرحم من سلاطة اللسان وتكييل الاتهامات لنا بأننا سبب عنوستنا وسبب نظرة المجتمع السلبية إلينا ؟ وكأن ليس من حقنا أن نحيا حياتنا بشكل طبيعي ، أو أن نجد يد حانية تربت علينا وتحمينا مما التشويهات النفسية التي تلاحقنا.. لكن يبدو أن هذا هو قدرنا!
أما وجه الشبه بيننا وبين بثينة فهو اختيارنا لزكي باشا ، ماذا تفعل الواحدة منا إذا وضعت أمام اختيارين أحلاهما مر ؟
بثينة لم تجد بديلاً ونحن كذلك .. حيث أن زكي وأشباهه يمثل لنا اليد الوحيدة التي تمتد إلينا في الوقت المناسب ليس فقط لتنتشلنا من الفقر ، إنا هي أيضاً تنتشلنا من كل الأيادي اليت تتسابق نحونا لتنهش لحمنا وتنتهك إنسانيتنا ، وعندما يسقط المثل الأعلى وهو الأب وينهار ويتفتت مثل حجارة الأصنام يصبح لا مفر من التعلق بهذه اليد ، عندما تجد الواحدة منا نفسها تعيش وسط ذئاب يحاول كل منهم أن يحصل على ما يتيسر له منها تحت غطاء مغلف بالشرعية الزائفة مثل عرض وهمي بالزواج يغيب معه الضمير والوازع الديني الذي فقط يتمسح به هؤلاء لخداع الفريسة ، ماذا نفعل وبالله عليكم ما البديل !! إني ومثيلاتي لا نقدم على هذا من أجل المال وحده بل لأننا ضعاف نبحث عن الحماية والأمان .. خاصةً إذا كان كل ما نقابلهم في حياتنا من شباب يرفضوننا ليفضلوا علينا من هي كفء لهم ، معظمهم يبحثون عن الفتيات الثريات أو من لديهن وظيفة مرموقة وراتب كبير أو من لديها شقة أو سيارة ، وهو مستعد في هذه الحالة أن يغض بصره عن عيوب كثيرة ، أما نحن فلا ننجو أبداً من تعليقاتهم السخيفة مثل هذه سمينة ، هذه قصيرة ، دمها ثقيل ، هذه تمثل وتتتصنع الخجل والحياء (أراهن أنها عملت علاقات مع عشر شباب قبلي )وهذه تبدو أكبر مني سناً وكأنها والدتي ، وهم يلجأون لهذه الحجج ليهربوا من إحساسهم بالفشل وعدم التكافؤ ـ أياً كان نوعه ـ والنقص .
ماذا نفعل إذن ؟ فإذا كان قدرنا الشعور بالرفض ممن يقاربوننا في العمر وفي المقابل نجد قبولاً ممن يكبروننا بعشرين عاماً واكثر ، إنا فقط نريد من يعاملنا كبشر ويحترم إنسانيتنا ، نريد من يلملم أشلاءنا قبل أن يطأها بقدمه كل من هب ودب من انصار القبح والكذب والحيوانية والهمجية ، لقد تعبت قلوبنا ، ومن رحمته تعالى أن منحنا اسباب صغيرة نستطيع بها مواصلة الحياة بكل صعابها ، متمسكين بمبادئنا رغم كل شيء

عبير سليمان 4/11/2010 الإسماعيلية

الأحد، 10 أكتوبر 2010

العلاقة بين الديموقراطية والعنوسة

أعلم أن عنوان المدونة يبعث على التشاؤم .. ولكن ماذا تفعل لو كنت مكاني وسرقت منك أفكارك وأخذها غيرك لينسب إلى نفسه إنجازاً سبقه إليه غيره ، وقد قعلتها الأخت التي يتشابه اسمها مع اسمي وياللعجب إنه الاسم الثنائي .. إني فعلاً محظوظة .. فأول فكرة راودتني عندما بدأت في الكتابة هي أن أكتب يومياتي مع العرسان وعندما كتبت اول مقالة اخترت لها عنوان "يوميات عانس " فلم تكذب عبير سليمان خبراً وسارعت على الفور إلى عمل مدونة بل وكتاب بنفس الاسم ..
إنها مجرد فضفضة ، فالبكاء على اللبن المسكوب لن ينفعني بشيء واعلم جيداً أن الموهبة الحقيقية هي التي تعيش لذا اخترت أن أكتب في مدونتي هذه عن كل ما يخطر ببالي وفي موضوعات مختلفة حتى لو أجد قارئاً يعجب بها ..
وما دفعني للكتابة من جديد هو أنني وجدت أن قضيتي انا وبنات جيلي ليست قضية فردية ، ومع نمو وعيي يوماً بعد يوم أدركت بما لا يدع مجالاً للشك ان سبب عنوستنا ومعاناتنا بشكل رئيسي هو غياب الديموقراطية والعدالة الاجتماعية !! سيألني أحدكم ما العلاقة بين العنوسة والديموقراطية ؟ هل دفعك الحرمان العاطفي للجنون ؟ تعلمون أن هذا شيئاً وارداً .. ولكن أعتقد أن مازال بي بقايا عقل ..أرجو أن تصغوا إلي السمع واصبروا علي قليلاً لأشرح لكم ما العلاقة ؟
فقط ارجوكم ان ترجعوا بالذاكرة إلى الماضي وبالتحديد فترة الخمسينيات والستينيات ، وكانت مصر أزهى عصورها ، السكن متوفر ولا يوجد بطالة . في بداية تطبيق مبدأ العدالة الاجتماعية كانت المشاعر الغالبة بين الناس هي مشاعر المودة والحب والاحترام ، وكان وقتها الحب سهلاً ..وظل الوضع هكذا إلى فترة أواخر السبعينيات وأوائل الثنمانينات ، تغيرت أموراً كثيرة بعد عصر الانفتاح وهنا لا أتكلم عن الرومانسية والحب فقط ولكن ايضاً عن العلاقات الأسرية بين العائلات بعضها البعض .. أصبحت المادة هي سيدة الموقف .. تفرقت بسببها العائلات وتشتتت .. اختفى الترابط والتواصل بين أفراد الأسرة الواحدة .. حتى العائلات الكبيرة لا تخلو من فردين أو ثلاثة على الأقل فضلوا الهجرة والسفر للخارج ..
ولا يعرف أحدكم كم يغير السفر والهجرة في النفوس والشخصيات ، وبالتالي الشخصية والهوية المصرية نفسها اختلفت وحدث بها العديد من التغيرات .. فمعظم من سافر عاد بافكار وطبائع جديدة عن مجتمعنا ..
حتى من بقي تغيرت شخصيته وإن اختلفت اسباب التغيير ، فهذا القسم من المصريين الذي بقي في بلده انقسم إلى شقين ، الأول هو الثري صاحب العقارات والأموال فلا يحتاج للسفر ، أما الآخر فهو المغلوب على أمره لاهو تمكن من الحفاظ على نفسه داخل إطار الطبقة المتوسطة ولاهو استطاع الصعود إلى الطبقة الثرية المترفة التي تتعلم في المدارس الأجنبية والجامعات الراقية ..
وهنا سنتختار عينة لشباب وفتيات من كل شريحة من المجتمع المصري ـ وذلك بعد استثناء أبناء الطبقة الراقية فهؤلاء خارج المنافسة ـ وسنجد أن أكثر فئة تعاني بشكل عام من هذه التغيرات وبالذات الاقتصادية التي طرأت على الساحة المصرية هي الفئة المتوسطة (الطبقة المتوسطة ) التي انضم إليهم مؤخراً شريحة كبيرة من المصريين العائدين من الخارج وأنا أمثل أحد ابنائها .
هل تتخيلون معي حجم معاناة الفئة المتوسطة من المجتمع المصري ، إنها ترزح تحت وطأة هموم كثيرة وأعباء ضخمة أشدها وطأة البطالة ، وغلاء السكن ، تدهور الخدمات الصحية والتعليم . كيف إذن يتحقق لأبنائها الاستقرار وتكوين أسر ناجحة في ظل ما يكابدونه بشكل يومي .. لذا فهم يعيشون اسرى لمخاوفهم فهناك الخوف من ضياع الوظيفة التي إن توفرت فهي تتوفر بعد طول معاناة ، والخوف من المستقبل والخوف من الفشل ، الخوف من أن تتعرض لانتهاك آدميتك إذا تعرضت لأي اعتداء ، فمفهوم الأمن الاجتماعي اصبح لا وجود له .
إذن فكيف لمن مثلي بعد كل هذا أن يجازف ويخوض تجربة عاطفية احتمالات الفشل فيها أكثر من احتمالات النجاح؟ ..كيف يمكن أن نعرف طعم الحب ونعيش حيااتنا بشكل طبيعي دون منغصات ؟
ولكن ماذا لو سادت العدالة والديموقراطية واستطعنا أن نطالب بحقوقنا كلها السياسية والاقتصادية ، وقتها فقط اموراً كثيرة سوف تتغير في حياتنا إلى الأفضل ..
ولكن ترى هل يأتي يوم ونشعر فيه بكرامتنا وآدميتنا ؟ أم من الأفضل أن نبحث من الآن عن وسيلة للحصول على الجنسية البرازيلية !!!
(على راي د.سحر الموجي)

الثلاثاء، 27 يوليو 2010

عملية تجميل للنفس ( يا مشرط الجراح أمانة عليك)

يا مشرط الجراح أمانة عليك ..

هل شعرتم مثلي بالحاجة لإجراء عملية تجميل للنفس المشوهة ؟ ترى هل يأتي يوم وتُجرى فيه مثل هذه العمليات ؟
ربما تقولون أني مجنونة ، ولكن أرجوكم لا تتعجلوا الحكم علي واصبروا قليلاً ،ـ ربما تجدوا في السطور التالية الدافع وراء هذه الأسئلة أو الهلوسة !!
فأنا أرى أني نجحت ـ بعد تحليل وتأمل كافيين ـ في تشخيص الحالة التي أعاني منها منذ سنوات قليلة مضت ، ولأني أهملت علاج نفسي واكتفيت بالمسكنات عديمة الفائدة فقد ازدادت الحالة سوءاً ، وليس أمامي سوى خيارين أحلاهما أمر من الآخر ، إما البلادة وتسميك الجلد ، ربما استعين بهاتين الصفتين على تحمل ما تخبأه لنا الأيام القادمة من أحداث غريبة في بلدي الحبيب مصر ، وإما الاستسلام لتيار القبح والتدني في الذوق والأخلاق والتعامل ، ومحاولة التكيف والسير مع التيار ، ربما مع اعتياد القبح يصبح الأمر مع الوقت مألوفاً وربما مستحباً على القيم الجمالية والإنسانية الرفيعة .
المشكلة لدي هي مزيج الصراعات الداخلية التي تدور في نفسي ، والتي دائماً لا تحسم ، وإنما تختفي فيما يشبه الاستراحة بين شوطي مباراة كرة القدم ثم تعود لتشتعل داخلي بضراوة ولا تنتهي أبدا ً إلى أي نتيجة حتى لو كانت غير مرضية ، ورغم مطالعاتي ومحاولة الالمام بأنواع الأمراض النفسية إلا أنني لم أتوصل لتشخيص دقيق لحالتي ، لذا اخترت هذا التشخيص الذي اعتبره دقيقاً " التشوهات النفسية " وليسامحني الأطباء النفسيين على اعتدائي على تخصصهم .
تخيلوا أنفسكم وأنتم تتعرضون على مدار ثماني سنوات لمختلف أنواع القهر و الظلم والاتهامات الباطلة ، الكل أبرياء وانت الوحيد المذنب ، انت تأكل حقوق الناس ، انت طامع وشرير ، لذا فالعقاب الالهي لك هو حرمانك من الحق الطبيعي في الوظيفة الآمنة والراتب المحترم والحياة المستقرة والزواج وتكوين الأسرة ، انت متهم بعدم ادائك لحق اخواتك ووالديك خاصة الأب الحنون الكريم المعطاء الذي يأخذها من فمه ليعطيها اياك وينسى في سبيل ذلك ان يراعي أحواله خاصة الصحية !!!!! انت تعطي لنفسك الحق في الحصول على الاهتمام الكبير من والديك على حساب اشقائك وخاصة شقيقك وزوجته وشقيقتك الصغرى!!! انت لا تعطي والدتك حقها من التقدير الكافي جزاء تعبها وسهرها عليك وعلى اشقائك وتحملها لوالدك الأناني طيلة السنوات الماضية !!!! وهي التي تضحي براحتها وتحرم نفسها من متع الحياة في سبيل إرضائكم !
تخيلوا أنفسكم تؤدون عملكم بإتقان على قدر الامكانيات المتاحة ثم لا تحصلوا على المقابل المادي والمعنوي الكافي ، ينافسكم على حقكم البسيط أشخاص عديمي الكفاءة والموهبة والخبرة ، يكتفون بأنهم أبناء فلان وأقارب علان ، يمارسون ضدكم ألاعيب قذرة وضرب من تحت الحزام ، يعاملونكم بأسلوب مستفز وبشكل فيه انتهاك صريح للكرامة حتى يتسببون لكم في مشاكل فقط لينكدوا عليكم حياتكم ويعكرون صفوها ، ويستكرون عليكم مجرد الاحساس بالرضا وراحة الضمير ..
تخيلوا أنفسكم وأنتم تقرأون عن حوادث العنف والقتل اليومية ، وعن تزوير التقرير الخاص باسباب موت الشاب خالد سعيد ، والذي توضح صورته ما تعرض له من تعذيب قبل موته ، ساعات اتخيل نفسي مكانه ، صحيح هو الآن ينعم عند ربه بالراحة من عذاب الدنيا ومكائد وشرور الناس الذين اصبحوا كالشياطين ، ولكن لماذا كل هذا التعذيب وانتهاك الكرامة ، وما ذنبه ليلقى هذا المصير ؟ هل اعتدى على حق غيره ، هل سرق اموال البنوك ؟ هل قتل ابرياء بطعام ملوث وماء مجاري ؟ هل ارتكب افعالاً فاضحة ومشينة ونشر الفاحشة ؟ هل عمل قواداً أو سمساراً لبيع الأجساد اواللحوم الرخيصة ؟
إني أناشد أي طبيب نفسي يقرأ هذه السطور إن وجد علاجاً شافياً لهذه التشوهات النفسية ، وليسمح لي أن أقول له " أرجوك الحقني قبل ان تلحق بي عدوى العنف ، وأصبح من جراء هذه التشوهات مجرمة أو سفاحة بالصدفة مثل غيري ممن تمتليء صفحات الحوادث بأخبارهم وصورهم ، وقد سبقني في طلبي هذا الشاعر صلاح جاهين الذي سبق عصره وقال :
يا مشرط الجراح أمانة عليك
وانت ف حشايا تبص من حواليك
فيه نقطة سودا في قلبي بدأت تبان
شيلها كمان ..والفضل يرجع ليك
وعجبي ...

الاثنين، 19 يوليو 2010

مقدمة
أعجبتني كثيراً مقالة د.محمد المخزنجي الأخيرة بعنوان "حتى الجنون تدهور" ، وتزامن معها مقالة أ/فهمي هويدي عن المواطن الذي شاء القدر له أن يتم القبض عليه دون تهمة حقيقية موجهة إليه ، مما جعله يواجه ـ بعد خروجه ـ أهوالاً عديدة وصعوبات ليس هو فقط ولكن عائلته ، هل من الطبيعي أن يحتفظ هذا المواطن بسلامه واستقراره النفسي ، هل من الممكن أن تلد مصر مبدعين ومبتكرين في ظل كل هذا القهر والظلم وكبت الحريات ؟، كيف يشعر أبناء المواطن المذكور ومن مثله بالانتماء لوطن لا يشعرون فيه بالكرامة بل على العكس يتذوقون فيه كل يوم ألوان مختلفة من العذاب النفسي ، وأقرب مثال هو نتيجة الثانوية العامة لهذا العام ..
إن العنف الذي يُمارس ضد المواطن بشكل يومي في بلادنا أحد مظاهر القبح الذي ساد كل نواحي حياتنا ، ولقد رأيت بعيني وكنت شاهدة منذ فترة قصيرة على واحدة من هذه حوادث العنف ضحيتها عامل مسكين يكافح من أجل لقمة العيش وهو راض بأجره المتواضع ، دائم الشكر لله على المر قبل الحلو ، سأسرد هذه الحادثة لأضمها إلى السجل الحافل لحوادث العنف والقهر التي من الممكن جدا أن تقلب حياة مواطن عادي ومسالم رأساً على عقب وربما يتحول بعدها إلى مجرم أو إرهابي أو قاطع طريق .
والقصة كالتالي:
هو عامل بسيط عمره 42 عاما ،يعمل في البلدية باليومية وظيفته جمع القمامة ولأن أجره اليومي لا يتعدى خمس جنيهات ولتمتعه بالأمانة والحياء ، تقصده سيدات الحي ( وهم من الطبقة الميسورة ) لتنظيف بيوتهن و سلالم ومداخل العمارات ، وأحياناً يغسل سيارات ، ولأننا ممن يتعاملون معه بشكل يومي ومنذ حوالي 10 سنوات فقد عرفناه جيداً ولم يسبق أن فقد شيء لا من منزلنا ولا من المنازل المجاورة التي يدخلها بشكل يومي .
ولأننا نعيش في بلد أصبح كالغابة لا يحظى فيها الغلابة والضعفاء بالحماية من الوحوش الكاسرة ، فقد شاء القدر لهذا العامل أن يكون واحداً من ضحايا الظلم والعنف والقهر ، فمنذ حوالي أسبوعين فوجئنا به أمامنا في حالة يُرثى لها ، كان وجهه وملابسه مضرجين بالدماء وأنفه ينزف وعينيه بهما كدمات زرقاء وأذنيه متورميتن وعندما سألناه ماذا حدث لك ، كانت الإجابة مؤلمة وموجعة .
كان يمر على مجموعة من المساكن المتجاورة في حي مجاور ، ناداه أحد سكان إحدى هذه المساكن وهو ابن السيدة صاحبة العقار ، كان العامل لديهم بالأمس ينظف لهم منزلهم ، فصعد إليه ، وهنا فوجيء العامل بالشاب يسأله عن ساعتين يد فقدا بالأمس ، رد قائلاً بأنه لم ير أي ساعات ، كرر الشاب السؤال فأقسم العامل أ،ه لم ير ساعات ، عندها انشقت الأرض عن ثلاثة من البلطجية تعاونوا مع الشاب الفاسد على العامل وظلوا يضربونه لمدة ساعتين ، وعندما لم يحصلوا منه على الاعتراف بالسرقة جاءوا بإيصالات أمانة وبصامة وبصموه بالإكراه عليها وأخذوا بطاقته الشخصية ليس هذا فقط بل جائت أم الشاب بحقيبة مجوهراتها أمامه وهددته بأنها ستخفيها وتتهمه بالباطل بسرقتها !!!
حكى العامل قصته وأجهش بعدها ببكاء حار قائلاً:" والله لم أسرق ساعات ، كرامتي ضاعت أ أروح لمراتي واقوللها ايه لما تسألني ولا اولادي ازاي حارفع عيني في عينيهم بعد اللي جرالي النهارده ، دانا طول عمري ماشي جنب الحيط وعمري ما طمعت في حاجة مش بتاعتي ، انتوا بتسيبوا فلوسكو قدامي عمري ايدي ماتمدت على أي حاجة حسبي الله ونعم الوكيل"
نصحه بعض السكان بتحرير محضر بالقسم ، وهناك حدث فصل جديد من فصول القهر والعنف ، استقبله العسكري الجالس أمام مكتب الضابط بسؤال تشوبه نبرة اتهام :" رايح فين يا اخينا " أجابه العامل بسذاجة أنه تعرض لاعتداء بدني ، فههده العسكري أنه إن لم يذهب لحاله فسيقبض عليه ثم يتلقى وصلة ضرب من قبل المخبرين بالقسم لإجباره على الاعتراف بالسرقة ، ولم يتوان في سبيل ذلك بسبه بألفاظ بشعة ، سمع الضابط الحوار من داخل حجرته فخرج ليستطلع الأمر ، ربما لتمتعه بالفراسة شعر أنه مظلوم فأدخله مكتبه وحرر له محضراً ووعده بأن سيتحرى الأمر وسيستدعي الشاب ..
ولكن من وقتها ـ وكما هو متوقع ـ لم يحدث اي جديد وضاع حق العامل بسبب هروب الشاب وعدم عثور المخبرين عليه ، والأكيد أنه يعطيهم رشوة في كل مرة حتى لا يقبض عليه فوالده يعمل بإحدى دول الخليج ، ثم تبين بعدها أنه يتعاطى المخدرات وقد يكون هو السارق وأراد تلفيق التهمة للعامل ليداري على أفعاله المشينة .
هل يمكننا تخيل الأثر السيء الذي تتركه مثل هذه الحادثة على إنسان بسيط لا حول له ولا قوة ! متى يتحقق الخلاص ؟ كيف ننجو بأنفسنا من آثار العنف والقهر الذي يمارس ضدنا كل يوم كمواطنين بسطاء ؟ متى تتحقق لنا العدالة والكرامة والحرية ؟ متى